الهروب المستحيل!

الخوف ، هو أبشع ما قد يعمّر في داخل الإنسان و أسوء ما قد يشعر به لا الحزن ولا الآلام ولا الفقدان و لا الخذلان ولا الحسرات أو الخيبات ، الخوف وحده هو سيّد المشاعر القاتلة و السفّاح الأكثر بطشًا و عنفوان يقوم بإعدام دموي لكل المؤشرات الحيوية للإنسان فلا يسع أي أحد بعده سوى الشعور بأوج المعاناة و إنتظار الوفاة بعد عدة ليالٍ من الإختناق.

يتداعى في الجوارح كإنهيار جبل ثلجي على ممتلكات بشرية ، يجرّ خلفة سلسلة طويلة من جبال مدمرة مميتة تنهار بسرعة هائلة دون مبالاة بذلك الوقت الذي قُضي في تشييدها، تنتهك بشناعة كل جهدٍ و روح هَلُكت في سبيل البناء دون عدلٍ ولا إنصاف.

الخوف يمتلك شراهةً فظيعة فهو لا يشبع ولا يكل ولا يمل من إلتهام كل مقوّمات النضال على الحياة في داخل الفرد ، و ليس بحاجة لأسباب و معضلات كبرى فهو بمجرد أن يجد سببًا ضئيلًا للمجيء يبدأ من هناك رحلة الإنتهاك دون رأفة أو رحمة ، يتسلل إلى داخلك بكل إنسيابية كإستنشاق ذرات الهواء حتى يبدأ في شراهته المعتادة و يتغذى على كل ما بداخلك ينتهك روحك و يرديها جُثة هامدة ممزقة ، ينمو و يكبر في كل ثانية حتى يرهق كاهلك و يثقل جوفك فتشعر به كما لو أنه شيئًا يُقاس بوحدات الكم.

تتمدد أفاقة الشاسعة بداخلك كشبح ظلام أسود لا تستطيع الإمساك أو الإطاحة به أبدًا و لكنه يستمر بالظهور كما أنه يصبح مصدر التهديد الأكبر لسلب حياتك من ذاتك ، كلما سنحت له ظروفك المحيطة بك لزيادة التغذية لا يفوّت فرصة واحدة ليعاود محاولة خنقك و تضييق أنفاسك و إبطاء نبضات قلبك حتى تشعر بأنك جسد بِلا روح تؤدي ما وجب عليك دون الشعور بشيء عدا مخلّفات و نتائج نوبات الذعر و إنعدام الأمان بداخلك.

في بعض الأحيان يكون للخوف مسوّغ يستدعي حدوث ذلك ، سواء كان ذلك من فواجع مختصة بذاتك و حياتك أو من بعض البشر فنحن نعيش في عالمٍ لا تعمل البشرية بجهدٍ كاف على حماية حقوق الفرد البديهية و لعلك تجد في من حولك العديد ممن لا يتوانى في فرصة سلب الإطمئنان من داخل أحدهم ، و يا للأسف هناك من يشعر بالرُهاب ممن كان يفترض بهم تحديدًا دون عن غيرهم أن يمنحوا فقط الأمان لا غيره من مسوّغات الخوف و الإرهاب و إنتزاع كل ذرات الإطمئنان بأشد الطرق الإجرامية و الموجعة و الحارقة للقلوب .

هناك إيضًا من يعاني من الإصابة ببعض الإعتلالات النفسية التي تُشعرهُ بالخوف دون سبب يستدعي ذلك ، و هذه الحالة هي الأشد وطأة و الأكثر بشاعة فهم لا يعرفون مصدر ذلك القلق الذي يوقظهم من نومهم و يعطل سير حياتهم و يقودهم إلى مواقع الإنتحار دون وعيٍ منهم على عكس أولئك الذين يعلمون جيدًا ممن يخافون و لماذا ، فتبدأ رحلاتهم الطويلة على قوافل فرص نجاتها قد لا تتعدا الواحد بالمئة في سبيل تفادي تلك المسببات أو إستئصالها بعد حدوثها إذا كان بالإمكان .

بعد كل ما سبق ، هناك حالات ذُكرت و هناك ما لم تُذكر يربط بينهم بإن دائمًا المرتعش قلبهُ من شدة الخوف و الرهاب يحاول الهرب منه لئلًا يرديه قتيلًا على يد الجاني أو يديه شخصيًا، يدخل في متاهة كاذبة ليس بها طريق صحيح للخلاص فيتجّبر ذلك الشعور أكثر فأكثر و تتشعّب الطرق الفرعية المزيفة و يعاود الكرّة حتى تستنزف أخر قطرة من دماءة التي مازالت تتدفق دون أن تجف من الخوف في محاولات على أمل إيجاد الطريق الأمثل للهروب منه ، و لكنني أرى بأنه ليس هناك من بمقدورة النجاح فلا يوجد عدا فرصتين الأولى أن يسئم الخوف من ضحيته بعد هلاكها و يتركك و شأنك أو الثانية أن يصبح مصيرك إلى مقبرة المتاهة التي لا مجال للمفر منها .

على الرغم من اليقين التام من بعض الضحايا بأنه لا مفر من ذلك إلا أن الإستمرارية و محاولات السعي الجاهدة لا تزال مستمرة في الهروب للنجاة و التمسك بِبصيص أملٍ في الحياة و معاودة المقدرة على عيشها كما يفعل الآمنون المطمئنون ، فتبقى عجلة محاولات الهروب مستمرة بالدوران و لا تكسر لأن تلك ماهية الإنسان الطبيعي التشبث قدر المستطاع بهذه الحياة و تفنى أرواحهم و طاقاتهم في محاولة تحقيق ذلك ، و لكن مع بالغ الحزن و الأسى هناك قليلٌ ممن يدركون بأن هذا الهروب المستحيل هو الأمر الأكثر إعجازًا في الحياة .

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: