الهروب المستحيل!

الخوف ، هو أبشع ما قد يعمّر في داخل الإنسان و أسوء ما قد يشعر به لا الحزن ولا الآلام ولا الفقدان و لا الخذلان ولا الحسرات أو الخيبات ، الخوف وحده هو سيّد المشاعر القاتلة و السفّاح الأكثر بطشًا و عنفوان يقوم بإعدام دموي لكل المؤشرات الحيوية للإنسان فلا يسع أي أحد بعده سوى الشعور بأوج المعاناة و إنتظار الوفاة بعد عدة ليالٍ من الإختناق.

يتداعى في الجوارح كإنهيار جبل ثلجي على ممتلكات بشرية ، يجرّ خلفة سلسلة طويلة من جبال مدمرة مميتة تنهار بسرعة هائلة دون مبالاة بذلك الوقت الذي قُضي في تشييدها، تنتهك بشناعة كل جهدٍ و روح هَلُكت في سبيل البناء دون عدلٍ ولا إنصاف.

الخوف يمتلك شراهةً فظيعة فهو لا يشبع ولا يكل ولا يمل من إلتهام كل مقوّمات النضال على الحياة في داخل الفرد ، و ليس بحاجة لأسباب و معضلات كبرى فهو بمجرد أن يجد سببًا ضئيلًا للمجيء يبدأ من هناك رحلة الإنتهاك دون رأفة أو رحمة ، يتسلل إلى داخلك بكل إنسيابية كإستنشاق ذرات الهواء حتى يبدأ في شراهته المعتادة و يتغذى على كل ما بداخلك ينتهك روحك و يرديها جُثة هامدة ممزقة ، ينمو و يكبر في كل ثانية حتى يرهق كاهلك و يثقل جوفك فتشعر به كما لو أنه شيئًا يُقاس بوحدات الكم.

تتمدد أفاقة الشاسعة بداخلك كشبح ظلام أسود لا تستطيع الإمساك أو الإطاحة به أبدًا و لكنه يستمر بالظهور كما أنه يصبح مصدر التهديد الأكبر لسلب حياتك من ذاتك ، كلما سنحت له ظروفك المحيطة بك لزيادة التغذية لا يفوّت فرصة واحدة ليعاود محاولة خنقك و تضييق أنفاسك و إبطاء نبضات قلبك حتى تشعر بأنك جسد بِلا روح تؤدي ما وجب عليك دون الشعور بشيء عدا مخلّفات و نتائج نوبات الذعر و إنعدام الأمان بداخلك.

في بعض الأحيان يكون للخوف مسوّغ يستدعي حدوث ذلك ، سواء كان ذلك من فواجع مختصة بذاتك و حياتك أو من بعض البشر فنحن نعيش في عالمٍ لا تعمل البشرية بجهدٍ كاف على حماية حقوق الفرد البديهية و لعلك تجد في من حولك العديد ممن لا يتوانى في فرصة سلب الإطمئنان من داخل أحدهم ، و يا للأسف هناك من يشعر بالرُهاب ممن كان يفترض بهم تحديدًا دون عن غيرهم أن يمنحوا فقط الأمان لا غيره من مسوّغات الخوف و الإرهاب و إنتزاع كل ذرات الإطمئنان بأشد الطرق الإجرامية و الموجعة و الحارقة للقلوب .

هناك إيضًا من يعاني من الإصابة ببعض الإعتلالات النفسية التي تُشعرهُ بالخوف دون سبب يستدعي ذلك ، و هذه الحالة هي الأشد وطأة و الأكثر بشاعة فهم لا يعرفون مصدر ذلك القلق الذي يوقظهم من نومهم و يعطل سير حياتهم و يقودهم إلى مواقع الإنتحار دون وعيٍ منهم على عكس أولئك الذين يعلمون جيدًا ممن يخافون و لماذا ، فتبدأ رحلاتهم الطويلة على قوافل فرص نجاتها قد لا تتعدا الواحد بالمئة في سبيل تفادي تلك المسببات أو إستئصالها بعد حدوثها إذا كان بالإمكان .

بعد كل ما سبق ، هناك حالات ذُكرت و هناك ما لم تُذكر يربط بينهم بإن دائمًا المرتعش قلبهُ من شدة الخوف و الرهاب يحاول الهرب منه لئلًا يرديه قتيلًا على يد الجاني أو يديه شخصيًا، يدخل في متاهة كاذبة ليس بها طريق صحيح للخلاص فيتجّبر ذلك الشعور أكثر فأكثر و تتشعّب الطرق الفرعية المزيفة و يعاود الكرّة حتى تستنزف أخر قطرة من دماءة التي مازالت تتدفق دون أن تجف من الخوف في محاولات على أمل إيجاد الطريق الأمثل للهروب منه ، و لكنني أرى بأنه ليس هناك من بمقدورة النجاح فلا يوجد عدا فرصتين الأولى أن يسئم الخوف من ضحيته بعد هلاكها و يتركك و شأنك أو الثانية أن يصبح مصيرك إلى مقبرة المتاهة التي لا مجال للمفر منها .

على الرغم من اليقين التام من بعض الضحايا بأنه لا مفر من ذلك إلا أن الإستمرارية و محاولات السعي الجاهدة لا تزال مستمرة في الهروب للنجاة و التمسك بِبصيص أملٍ في الحياة و معاودة المقدرة على عيشها كما يفعل الآمنون المطمئنون ، فتبقى عجلة محاولات الهروب مستمرة بالدوران و لا تكسر لأن تلك ماهية الإنسان الطبيعي التشبث قدر المستطاع بهذه الحياة و تفنى أرواحهم و طاقاتهم في محاولة تحقيق ذلك ، و لكن مع بالغ الحزن و الأسى هناك قليلٌ ممن يدركون بأن هذا الهروب المستحيل هو الأمر الأكثر إعجازًا في الحياة .

صديقي الخنجر

مر وقت طويل على آخر مرة امتلكت فيها جرأة الكتابة.
و لكنه الوجع و الألم ! يدفعني للكتابة لئلا يقتلني تدافع الأحزان في قلبي وتزاحم الكلمات في عقلي، لئلا تقتلني تلك التوافه التي استطاعت التراكم لتشكل خنجرًا يغرس نفسه في قلبي يمزقني و يقطعني إلى أشلاء لا تكاد تعرف بعضها، و قبل أن أقدر على تكوين القليل منها لتشكل هيئتي السابقة تزداد الأمور الصغيرة و الكبيرة المعقدة و البسيطة المهمة و السخيفة لتدفع بذلك الخنجر من جديد إلى تمزيقي ، فما صرت بعد ذلك إلا من شتاتِ للشتات .

و بعد كل دورة تمزيق و تشتيت تصبح أجزائي الممزقة أكثر قبحًا و أشد ضررًا حتى أن نفسي لا تعرفها فهي لا تستسيغها ولا تستطيع تحملها أو التعايش معها.
تلك الأجزاء الملوثة مكتظة بالألم و الحزن تحمل كل منها قصة شيء استطاع تشكيل صديقي الخنجر الذي اعتدت على زيارته لي بشكلٍ دوري. تستنكر نفسي نفسها ، ترثيها و تشفق عليها ، ترحم حالها و تحاول إنقاذها؛ و لكنها تفشل في ذلك !

الكلام عن صديقي الخنجر مؤلم ليس فقط بسبب ما يفعله بي بل بسبب القصص التي تكمن خلف تكوينه ، خلفه توجد القصص الكبرى و الفواجع المؤلمة مثل تحمل المسؤوليات الفائقة عن قدرتي و مجابهة البشرية و مواجهة نفسي و ماهيتها ، و توجد أيضا القصص الصغرى المؤلمة مثل توافه الأمور و كلمات لا مُبالية من أحدهم أو سخافة احتياجي للتحدث عن المواقف التي لا تتوانى الحياة في وضعي بداخلها والصعوبة التي أجدها في شرح نفسي لمنهم حولي، وحاجتي إلى إعلامهم بأني لا أملك نفسي.
القصص الكبرى تجعل من الصغرى معضلات و نقاط تحول لربما تشكل حياتي
أكثر ما يؤلمني ويُهلكني تلك اللحظات التي أصبح فيها مجبرة على التحمل أو التحدث بسبب ما تراكم من توافه الأمور التي لا يجدر بالإنسان الطبيعي التحدث عنها، لأنها ستجعله يبدو فارغًا يجهل ماهية أسلوب الحياة و في الواقع هو ليس إلا شخصًا يعاني من الفواجع و هو يعلم جيدًا عاقبة كل ما يحدث لذلك فهو مجبر على التحدث حتى لو كان يعلم أن صورته ستبدو كمن يجهل استخدام الحياة. وكذلك عندما أصبح مجبرة على المجادلة في كل الأمور التي من شأنها تكوين الخنجر الذي أفشل في تفاديه دائمًا بسبب اعتقاد من حولي بأنه ليس بمقدور هذه الأمور أن تضع اللمسة الأخيرة أو قطعة الأُحجية الناقصة ليصبح صديقي الخنجر جاهزًا للبدء في عملية التمزيق المعتادة.
لطالما حاولت الهرب من هذا الخنجر، أدعو و أرجو ألا يعود إلي و لكن فواجع قلبي الكبرى لا تتردد في أن تكون مرحلة أساس التشكيل لذلك الوجع في كل مره و مع بالغ الأسى هناك من يتفانى في إضافة لمساته الصغيرة لتحريض الخنجر حتى يُرديني جثة هامدة متعبة من كل هذه الحياة .

طعنات هذا الخنجر هي نوبات الإكتئاب المؤلمة التي تضعني في طريق التيه و دوامة الضياع ، أحاول البحث عن نفسي و شتاتي، أحاول تدارك ذاتي و إنقاذها من أعماق ذلك المحيط المظلم، و لكن ما أن تلتقط أنفاسها في الأعلى سرعان ما أجد نفسي قد فشلت مجددًا بسبب كثرة تردد ذاتي، وبسبب طعنات الخنجر التي أجزم بأن أضرارها تعادل ألف حياة في البؤس، وألف حادثة موت بشعة.

أنت وحدك تعرف

إنه أنت ، مهما حاولت الهرب من ذلك .

هل أنت سعيد الآن ؟ بقيت كل حياتك تسعى جاهدًا خلف ما يملكه الآخرون ، لطالما رأيت إنشراح صدورهم و سمعت همساتهم على دفء الشموع و ضجة ضحكاتهم في الليالي الصاخبة ثم حاولت تقمص ذلك الدور الذي لم يكن أنت . حاولت و بشدة أن تكون بداخل إطار السعادة في الصورة التي رأيتها و لكنك في كل مره تُفاجئ بالنفي خارجها ، تسأل نفسك دائمًا لماذا أنا ؟ من أكون ؟ هل أشكل عبء ثقيلًا على كاهل الإطار ؟ ما الذي فاتني !

أستنزفت طاقتك في محاولتك الفاشلة كل مره حتى أنك سألت من لم يلفظهم الإطار عن كيفية دخولهم إليه و ماهية شعورهم و ما طريقتهم سمحت لنفسك بأن تُريهم مدى الفشل الذي أعتاد عليك و البؤس الذي أذلك و الأسى الذي يعتريك حتى و إن أوجعك ذلك التوسل إليهم أعتدت تكرارة دائمًا لعلك تجد أحدهم يأخذ بيديك إليه ينقذك من نفسك و يحتويك بداخل إطار السعادة الذي لم يكن موجودًا من الأساس . أوهمت نفسك بوجودة و بأنك مرفوض و غير مرحب بك لدخولة و لم تدرك بأنك أنت من وضعه و أختزل السعادة بداخله لم تدرك بأنه لا أحد يجد نفسه معلقًا على الحائط أو مرتكزًا على أحد الطاولات أو المكاتب ، كل من يجد نفسه داخل الإطار هو من وضع نفسه بداخله دفع ثمنه من قلبه و أختار ماهية صورته و قام بتعليقها بعناية حتى يتسنى له الشعور بما يستحقه أما أنت ظللت تحكي روايتك لأصدقائك و أقاربك و أحبابك عن محاولاتك البائسة و اليائسة في الطلب و التوسل ، أنت وحدك تعرف حقيقة ما بذلته فقد كان أشد وجعًا و ألمًا من غيرهم لكنك تستمر في الظن بأنهم منحوا السعادة كشرف فقط لأن أوجاعهم أقل منك و أشاركك هذه النظرة فمن غير المنصف أن يمنح أحد كل شيء في حين أن الآخر يسلب كل شيء تقريبًا و يقضي عمره في النضال من أجله و المحاربة للوصول لما يستحق أن يمنح إليه دون الجهاد في السبيل لأخذه ولكن علينا أن ندرك بعد تجاوز اللحظات القاسية و الحزينة بأننا أصبحنا مُمتنين لها و لوجعها على ما صرنا عليه بسببها و ما نمتلكه بفضلها من قوة و ثبات و تفكر .

لطالما كانت محاولات السير على نهج الآخرين هو مضيعة للوقت و العمر كشخص كُسرت ساقة و مازال مصرًا على تسلق الجبل مع آخر معافى عوضًا عن ركوب الحافلة ؛ هو يحمل من الأوجاع و المعاناة و النقصان ما يجهله الآخر و مازال يحذو حذوه بسبب ما يراه من علو الآخر نحو القمة فيظن أنه يملك نفس مقوماته دون البحث عن الطريق أو الوسيلة الخاصة به التي تلائم ذاته لينول مراده .

هذه الحالة تمثل من يلجأ للآخرين بحثًا عن سعادة سرمدية أو حلول لمشاكل أزلية تفوق القدرات البشرية فيعود خائبًا حزينًا بعد كلماتهم و يظن أنه لا مفر من الموت و إنهاء حياته دون أن يبحث عن حقيقة إحتياجات ذاته فلا يوجد من يدركه ولا يفهمه أكثر من ذاته التي شهدت بجانبه جميع أحداث حياته و مأساتها و أصبحت تمتلك القدرة الكافية ( في حال تم إتاحة الفرصة لها من قِبَله ) في إختيار الطريق الأمثل بينما يتخبط الآخرون من حوله الذين لم يجدوا الطريق معبدًا من أجلهم و لم يتعرضوا لفظائع الحياة مثلك و لا يدركون ما هو الملائم لندبات أوجاعك فأصبحوا الحلقة الأسوء ما بين حياة الرفاهية و حياة الأوجاع على عكس الإمتياز الذي حظيت به في رحلتك بالمصائب دون أن تدركه ، أولئك الآخرون لربما لم يشهدوا ذرات من عاصفة أحزانك و لم يشعروا بخدش من الجروح الغائرة في قلبك لذلك تمكن الضياع منهم و من ذواتهم المبهمة الغير مصقولة و قد يتمكن الضياع منك أيضًا بعد ما جهلت أفضلية القدرات التي استمرت بالنمو بداخلك بعد كل مآساة صفعتك ولو أدركتها لعلمت أنك دفعت ثمنها مقدم للحياة لكي تصقلك شخصًا لا يحتاج لإرشادات ولا توسل ولا خضوع بل يحتاج لأن يقف بجانب ذاته لتُنير له ما يريد رؤيته في عتمة الحياة .

في وصف الكراهية

كيف يستطيع الإنسان أن يبدو بهذا القدر من السوء؟ كيف يستطيع الإنسان أن يتجرّد من كونة إنسانًا ليصبح دونما أخلاق و دونما سمات تلائم ماهيته الأولى ، كيف يستطيع أن يصبح سيئًا هكذا للحد الذي يجعلة أقل من فصائل الحيوانات جميعها !

يبعث ذلك الذي لم يعد يستحق الحياة شعور كره متجدد في أنفس كل من حوله و يبث سمومة بداخل ارواحهم لتعكر صفو حياتهم بأكملها فلا يعرفون سبيلًا للراحة أو للفرح بل يقطع طريق ذلك الشعور صوتة وكلامة و تقف أفعاله بالمرصاد حتى يُنسى ذلك الطريق و يمحى من معالم خريطة الحياة يُنسى و كأنه لم يوجد لا يومًا ولا شهرًا ولا دهرًا و كأنه لم يعبر أحدًا ذلك الطريق ولو لمرة ولم يستنير بمشاعر الحب والفرح ولا للحظة فقط كُتب نصًا من ذاكرة كان من المفترض أن تكون للنسيان بكل ما حملته في طيّاتها من كره و ألم تجددت دائمًا بتكرار دون توقف في عجلة كل ما قل عزمها يزداد ليكرر الكره و يجدد الآلام والمواجع على تلك النفس و يحدث ذلك عبر صوت أو كلمة أو تصرف أو فعل أو ابتسامة أو ضحكة شعر من خلالها بإشمئزاز لمصدرها و تجلى في بعض الأحيان مشهد صامت حمل ملامح ذلك الشخص وتصرفاته رأتها تلك النفس عن بعد بعين لم تشهد من الحياة إلا أوج مأساتها و أضعف أفراحها و أسوء أحداثها و تجرعّت كل ذلك عن طريق الصمت مرارات ، قضت تلك النفس لياليها التي كانت تبكيها بقلبٍ ينزف دموع دامية ترجو أيما كان من يقف خلف مشاهد الحياة و خلف سيناريوهات الوجود ومن يملك الإجابات أن يقتل ذلك الذي لم يقتصر دورة بالحياة على هجران و محو ذلك الطريق المؤدي للفرح وكل ملجأ و كل ما يحتوي على القليل من السمات الحياتية التي يحتاج لها كل فرد ليتلائم مع هندسيات الحياة و يتأقلم مع أقدراها و أحوالها محى ذلك كله و كأنه شمس حارقة تشتت كل سحابة كادت أن تروي الحياة وما دون ذلك المعنى ، كم يشابه الشمس في حقدها على الحياة و تدمير معانيها و صورها الجمالية حتى في أهوال الآخرة تعود لتؤدي وعدها وتكون هي الحارقة التي نرغب بالهروب منها ، يفعل هو كذلك.

هو النيران الحارقة والعذاب قبل أوانة والموت قبل قرارة و أول أسباب الإنتحار و الحبر الذي يكتب النهايات و أخبار الوفيات و صور الجنائز للأرواح و المانع عن كل معاني الحياة .

فقط أفعل ذلك يا كاتب النص ومخرج الأحداث ، أفعل ذلك و أقتله ، بادر أنت بكتابة النهاية أسرق ذلك الحبر منه قبل أن يؤدي بمصير الحياة نحو الهلاك .

معتقداتك ليست معيار الحياة

كيف يستطيع الإنسان أن يُشعر نفسه بهذا الكم الهائل من القدرة على إحاطة الجميع تحت سقف معتقداته ؟

في البداية يجب علينا معرفة ماهية المعتقدات و كيف نحصل عليها و لماذا نؤمن بها و أي شرف نؤتى عند الإلتزام بها و المحافظة عليها فهي تلك الضوابط التي تزرعها بنفسك و تؤمن بها و تنشأ لديك تحت تأثير عوامل عدة مثل ما تتعرض له في مسيرة حياتك و ما تواجهه من صعاب و البيئة من حولك و المجتمع و العادات و التقاليد التي تحيط بك فهي تلعب دورًا كبيرًا في أدلجة المعتقدات التي تترسخ بداخل الفرد ، فعلى سبيل المثال لو نشأ أحدهم في بيئة نظيفة واعية لن تكون معتقداته ملوثة بآثار رجعية مثل الذي ينشأ بين مجتمع مغلق بأحكام العادات و التقاليد التي تخلوا من مقومات العيش الكريم بين الأفراد ، و بعد معرفة جميع ما سبق يأتي الدور الأهم و الأبرز من المعرفة وهو معرفة أن معتقداتك الشخصية لن تغيّر بعض مسلّمات الحياة ولا تمتلك الحق في فعل ذلك فإذا كانت معتقداتك تردعك عن فعل بعض الأمور و تحثك على أخرى فغيرك ليس مجبرًا على ذلك و ليس مجبرًا على السير وفق نهج حياتك أو الوصول إلى قمة معايير إرضائك ، و يجب عليك أيضًا معرفة أن وجود من يسير على معتقداتك ليس دليلًا دامغًا على صحتها و توافقها مع نمط الحياة فهي لا تزال سوى اجتهادات شخصية منك و من غيرك و كما تُشيد بمن يشابهك يجب عليك احترام من يخالفك فأول مبدأ و أول مسلمة يجب عليك معرفتها هو أن الحرية حق للجميع فلا يحق لك التعرض لغيرك بإهانة أو شتم أو أيًا من قذارات الإنسان المعهودة فقط لأنه لم يتوافق مع معايير معتقداتك الأخلاقية أو قناعاتك الذاتية .

يجب على الإنسان أن يتوقف عن شعوره بكونه مسؤولًا عن الجميع و عن كل ما يدور في هذه الحياة و عن شعوره بأنه المحرك الأول للتيارات الأخلاقية و قائد التوجهات الفكرية الصحيحة فهذه السيناريوهات و الأدوار البطولية في قدرتك على تسيير الحياة على النمط الصحيح لا يمكن أن تحدث على أرض الواقع فعلًا ! فأقصى ما يمكنك تحقيقها من خلاله هو أحلام اليقظة لأنك بمجرد رغبتك في تمثيلها على أرض الواقع سوف تجد من يعارضك و يقف في وجهك و هذا طبيعة حال عدم رغبة أي إنسان بالسماح لمن هم على شاكلتك بأن يملي عليه كيف يتمكن من عيش حياته و مع إزدياد حدة الاصطدام بالواقع و خاصةً عندما تبدأ محاولاتك الحثيثة على تقوية معتقداتك من خلال تغليفها تحت مسميات دينية أو سياسية أو إعلان انتمائها لأي من الأحزاب على سبيل المثال أحزاب شيوعية و أحزاب يمينية متطرفة و غيرهما ثم الاستبسال في المحاربة من أجلها يشكل من صورتك شيئًا من الإرهاب ، نعم أنت مصدر إرهاب الأشخاص في مبادئهم و معتقداتهم و طريقة حياتهم و نمط عيشهم و جل أفكارهم و ما تؤمن به عقولهم و أسوأ من ذلك أنك لست وحيدًا في هذا ينتمي إليك من اختبأت أنت و معتقداتك تحت ستارهم في محاولات مصادرة الحريات و الآراء و تضييق الخناق و سبل العيش فما أشبهكم بالجماعات الإرهابية و ما أبشع ما تقومون به و كم قدر الكراهية الذي تحصدونه ممن حولكم و في مجتمعاتكم بعد إتقانكم لدور الأوصياء عليهم ، فليست المعضلة هنا وجود المعتقدات بل أنها من الأجزاء المهمة في تكوين شخصية الفرد و مساعدته على ضبط نفسه و كل فرد يملك الحرية الكاملة في وضع معتقداته و إختيار معاييرها و لكنه أبدًا لا يملك الحق في وضع الجميع تحت سقف معتقداته و محاولة فرضها عليهم في ظل قناعته بكونها صحيحة منزهه من الأخطاء .

لطالما آلمتنا أرواحنا عند رؤيتنا لبعض مشاهد مصادرة قناعات و حريات الآخرين من خلال وسائل العنف النفسي و الجسدي و التسبب بمختلف الأضرار و تشكيل جماعات و أحزاب تظن بأنها من خلال توافق المعتقد و الاجتهادات تستطيع إعادة توجيه الحياة للطريق الصحيح ، لو علم الواحد منهم بأنه مثلما يمتلك الحرية في تشكيل معتقدة يستحق الآخرين ذلك ايضًا ، لو علم إلى أي حد اساء إلى هذه الحياة لأصبحت بيئة المجتمعات أكثر قابلية للعيش .

إليسا في رواية بأعيُن معاصريها

في رواية سوف يحكيها كل من عاصر ملكة الإحساس إليسا لأحفادهم و لعزاء أجيال سوف تأتي من بعدهم لن تراها و لن تشهد على إنجازاتها أجيال لن تعرف شعور الشغف في إنتظار جديدها الباهر و إطلالاتها الساحرة و مواقفها النبيلة و آرائها التي يحتذى بها.

في حب إليسا يعرف الجميع معنى اليقين ، يقين بنجاح أغانيها قبل صدورها و بتفوق ألبومها منذ قرار العمل عليه و بقدرتها على إجتياح الساحة الفنية متى ما أرادت هي ذلك، أما الشك و الريبة فهي لم تَزُر أذهانهم فيما يتعلق بالنجاح لمجرد كونة نجاح ، بل ساورهم في تخمين عدد المشاهدات بالملايين وتحطيمها لأرقامها القياسية المحققة ومقارنتها بسابق عهدها و درجات سحرها و مدى تأثير رونقها الخاص على محتوى أعمالها ، ذلك المحتوى الذي لا يكاد يخلُ من رسائلها السامية التي تهدف لإيصال رسالة بليغة مثل رسالة مناهضة العنف ضد المرأة في كليب “يامرايتي” و دعم الجرأة بمقولتها الخالدة ” أكسري صمتك وما تكسري صورتك بالمرايا” و رسالة توضيح لقصة موجعة مثل قصة داني بسترس في كليب “عكس اللي شايفينها” و رسالة أخرى ذات طابع خاص حملت إسمها للتوعية بمرض السرطان في كليب ” إلى كل اللي بيحبوني” حيث أخبرت الجميع بإنتصارها وقوتها وعظمتها و ذلك ما اعتدنا على رؤيته منها حتى في أشد معاناتها لم يظهر للعلن أي منه إيضًا عندما واجهت المصاعب في تعرضها للتنمر من الحاقدين و من محاولات البعض في التقليل من شأنها ترفعت عن النزول لدناءة المهاترات و أكملت كتابة التاريخ بقوتها و عظمتها التي لم تظهر غيرها للمعجبين ، لم تكن حصرًا على التوعية بل وصفت في أعمالها مشاعر لم يبلغ الكلام وصفها فأصبحت الصديق الروحي لمحطات حياتنا و لا تفرغ ذكرياتنا منها فنتذكرها في أماكن محددة كالمقاهي و المدن و أرصفة الشوارع و تحت المطر و على متن السحاب و فترات حياتنا العاطفية و ظروفها الزمانية و المكانية ايضًا.

كل من عاصر هذه الأعجوبة كان محظوظًا بذلك و نال شرف الإستمتاع بها علاوةً على ذلك البعض وانا على رأسهم جعلنا من أغاني إليسا ملجأ و طوق نجاة يقوم بإنقاذنا بعد تجرع مرارات الحياة و مكابدة العناء اليومي كان العودة للنوم على أنغامها و الإحساس في كلماتها و الدفء في صوتها كفيل للتعويض عن سوء تلك الأيام و بعث الراحة في نهاية اليوم أما عن الإستماع إليها مع القهوة في صباحات الأيام هو إعلان عن القدرة على صنع مزاج جيّد قادر على تحمل الأعمال و شغف نحو تحقيق النجاح، كانت إلهام للكثير لم تكن مجرّد فنان.

و في الحديث عن أنها لم تكن مجرّد فنان فإنها بالإضافة لذلك كله كان على عاتقها مسؤولية الأرتقاء بالأغنية العربية فتجلس وحيدة على عرش لم يوجد لسواها بل كان من صنع إبداعات أعمالها التي لم تجد منافسًا لها فأصبح النجاح مضمون و الفشل من المستحيلات إلى أن صار إسمها هو عنوان تاريخ الأغنية العربية و أرقامها القياسية أول ما يتغنى بها.

سوف يُذكر في تلك الرواية أن في يوم من الأيام شخص واحد استطاع جمع شخصية الفنان و السياسي والناقد و الحكيم و صفات النجاح و العظمة و المسؤولية في آن واحد ثم كتب ختام تلك الرواية بأحرف من ذهب و تركنا من بعده نفخر بمعاصرتنا أحد الأساطير الذين لا يمكن تكرارهم في التاريخ مرتين ننظر خلفة فلا يسعنا سوى القول كان شخصًا عظيمًا أردنا إنصافة فلم نستطع و بقي دينٌ علينا توارث قصته بمحبة لا يمكن تقديرها إلا على طريقتها الخاصة ” قد أمل الناس في بكره و قد خوفها على الحياة” .

يأتي من يأتي و يرحل من يريد الرحيل اتفق الناقدين أو رفض المعارضين تبقى إليسار ملكة الإحساس التي لن يحطم أحد أرقامها حتى بعد عقدٍ من إعتزالها تبقى ملكة الأغنية العربية و أساس إرتقاءها و المهيمنة عليها منذ بداية مسيرتها و حتى نهاية تاريخ الفن الذي كتبته بنفسها .

الحياة بلا قوانين

هل فكرت يومًا كيف تبدو الحياة بلا قوانين و بلا قواعد؟ كيف سيكون منظرها بحُلة الغاب؟

أعتقد أني فعلت ذلك و تخيلت في مقامات أُخرى مدى الفوضى العارمة التي ستصبح روتينًا لا تكاد تخلو حياتنا منه.

بدأ الأمر منذ بداية الحياة و الخلق بدأ من الأديان السماوية حيث اختلفت بإختلاف الكتب المقدسة و القوم و الرُسل و على الرغم من إختلافها لم يخلُ كتاب مقدس واحد من وضع القوانين والتحليل والتحريم ولربما من منظور آخر يخالف البعض هذه القوانين أو يطالب بذلك أو على الأقل و أضعف ما يملك الرغبة في التجاوز عليها ، ولا يحق لأحد مخالفة مثل هذه الرغبات فكل إنسان حتى و إن لم يبُح فالإنسان مفطورعلى الرغبة في الممنوع ولو لم تكن هذه الفطرة لما وُجدنا في حرب مع الحياة من أجل فوز عظيم حرب تكمن نقاط ضعفها بداخلنا ونقاط قوتها تيارات من خارجنا ، داخلنا الذي يرغب بالتعدي والتجاوز و التجربة و لربما يملك البعض شغفًا شاذًا فوق الحد المسموح الذي يعتقد البعض انه حد وهمي أوجده الإنسان لنفسه و لا يدرك أهمية ذلك الحد الذي يُصنف بمثابة الخط المستقيم في الطريق الطويل ليحفظ توازن السير دون وقوع الحوادث فلا يقل خط الحد المسموح أهمية عن خط السير فالأول بدوره هو الآخر وضع بهدف الحفاظ على توازن الحياة فمن بعده سوف تتكدس الحوادث على طريقة نمط الحياة و تعكر سيرها و لربما لن يتسنى لها السير مجددًا لأن المقامر الآخر على تلك الطاولة التي تفصل ما بين سير الحياة عن وقوفها هو النهاية أو الوفاة. 

كم أرغب عزيزي القارئ في أن ترى من منظوري مدى الوحشية و الجشع و الطمع و القتل و لربما مثلما صورها الراحل دانتي ألييغري في سلسلة الكوميديا الإلهيه فوصفها بإيجاز في مسمى ( الخطايا السبع ) و أعتقد من منظور شخصي الذي يكن الإحترام لمنظور دانتي أنها لن تقف على الرقم السابع بل ستتجاوزة بفارق لم يتصورة حيث أنه قام بحصرها على الرغم من وجود الأديان و القوانين الرادعة الصارمة التي لم تستطع منع حدوثها أو الوقوف أمام قدرتها على بث سمومها في الروح البشرية ، بناء على ما سبق لو لم توجد القواعد و القوانين و التحليل و التحريم لأصبحت الطبقة العليا تقتات على الدُنيا على عكس ما يحظى به البرجوازي في وضعنا الحالي لوجد نفسه معرضًا للقتل على يد الأرستقراطي و‏ستنقلب حياة الكادح الباحث عن الأمل وسبل العيش الكريم، إذ سيحتل قلقه من المستقبل أيامه ليلا ونهارا، و الضعيف المسكين الذي يصبح على البحث عن لقمة عيش كان سيرى سيناريوهات وفاته و نهبه المحتملة عوضًا عن رؤية شروق الشمس ، ‏مهما كانت الطبقة التي تنتمي إليها لن تكون محصنا من فظائع انعدام القانون التي تؤدي إلى انعدام الحياة وقد تدفع الإنسان إلى إنهاء حياته إذ ليس بوسعه العيش دون منظومة تجرّم المغتصب، وتردع السارق، وتحاكم الظالم الجائر، وتمنح النفس البشرية حقها في العيش والتعلم والعمل.

ماذا لو تجاوز الإنسان هذه القوانين و أنتهك كل القواعد و دمر كل الأنظمة ؟ الإنسان بطبيعة الحال لم يُخلق حيوانًا مفترسًا لكي يتأقلم مع كل ذلك بل سيحظى كل وحشًا بشريًا بالفرصة ليمارس طقوسة و توسيع نفوذة بينما الأول سوف يلفظ أنفاسه أثر المعاناة و هذا ما يحدث في بعض المجتمعات أثر عادات و تقاليد تنتهك القوانين و تتجاوز التحليل لتصل للتحريم فيسقط الضعفاء أثر هذه التجاوزات مثل سقوط أوراق الخريف لتحملهم الرياح و تحمل أرواحهم بعيدًا ثم يتجاوزون الذكريات و تصبح قصصهم في طي النسيان فلا يتذكرهم أحد و يأخذ بثأرهم ولا يُرحم من يأتون من بعدهم لإنقاذهم . ما أقوم بوصفه هو القليل من معاناة و ألم توغل في وريد الكثير من ضحايا التجاوز على القوانين من أجل العادات و التقاليد يجب أولًا إختيار المسار الصحيح الذي سوف يأخذ القانون مجراة فيه و التأكد من أن يكون هذا القانون لا يسلب أحد شيئًا لا يستحق فقدانه قبل فرضه على البشرية و يأتي ثانيًا وضع الجميع تحت القانون مهما كانت دوافع أصحاب التقاليد العريقة و الأفكار الرجعية القديمة يجب إجبارهم على مواكبة الحاضر للحفاظ على حقوق الحياة المستحقة لكل فرد بالإضافة إلى التنويه المستمر على عبارة ( القانون لا يحمي المغفلين ) ليتعلم كل إنسان ما الذي له وما عليه على الرغم من كل القوانين التي تهدف لحفظ الحقوق فهي لن تنقذ شخصًا لا يعلم كيف ينقذ نفسه و لن تحمي حياته طالما لم يحاول هو الآخر حمايتها لمساعدة القانون في حفظ كامل حقوقة.

‏لو وقف كل فرد عند الحدود القانونية ولم يتجاوز الخط الفاصل بين المسموح والممنوع، لو ردع نفسه عن الرغبات التي لا يحق له إشباعها، لو التزم بالحرية التي تساعده على تسيير حياته دون عرقلة حريات الآخرين، لو فكّر بنفسه دونما جشع و رغبة في سلب ما يملكه غيره لأصبح العالم أكثر نقاء و أكثر إزدهار و أزداد التطوير و الإرتقاء.

الحرية المسؤولة

يجب على كل إنسان يتمتع بالعقل البحث فيه عن فكرة لربما تنقذة ويجد من خلالها الخلاص من أي شيء يرغب في الخروج منه أو الوصول لأي شيء حاول تعبيد الطريق من أجله وفق ما يتناسب مع المنطق! وليس المنطق الشائع الذي وجدنا في بعثتنا الإلهيه عليه من آباء و آجداد بل يجب على كل إنسان إيجاد منطقة الخاص به و البحث عن حدودة ليكون مسؤلًا عن نفسة فالمسؤولية هي الإنارة في ذلك الطريق المُعتم و هي معالم مفتاح ذلك الباب الذي أوصده جور الأيام من الخارج و هي الآداة التي قد تساهم في إنقاذك او الحارس الذي سوف يرافقك في طريقك نحو خلاصك.

يوجد في بعض الشعوب ويتم المطالبة بها في الأخرى ، هي الحرية ما بعد العام الثامن عشر الذي يمضي على حياة كل إنسان و ذلك وفقًا للمعتقدات أن الإنسان اصبح بعد ذلك العمر مسؤولًا قادرًا على دفع تكاليف اخطاءة مهما كانت باهضة الثمن و يستطيع وضع القواعد و المنطق لنفسة ، قرأت ذات يوم ( الحرية بلا مسؤولية هي الفوضى ) و أعتقد ان هذه الجملة كفيلة لإضاح أهمية البحث عن نفسك بداخلها و وضع الحدود لجموحها و قواعد و منطق ومبادئ تعاهد نفسك على السير عليها حتى تصبح مسؤولًا مستحقًا لحريته ، وعلى كل حال يستحق الجميع حريته فالبعض لن يستطيع وضع القواعد والمنطق ما لم يحصل على حريته التي تتيح له رؤية رقعة الحياة مثل رقعة الشطرنج ثم يضع قواعدة و منطقة وفق المكان المناسب لها من نظرته الخاصة به التي تساعده على الإنتصار ، فالحياة هي الحرب الأولى و الأخيرة التي نواجهها.

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ